بسم الله الرحمن الرحيم
امتنا بخير
بقلم الشيخ محمد بن يوسف الزيادي
======================
سمعنا في أخبار الأوائل من سلف امتنا قصصاً عن مكارم الأخلاق والشيم والطباع بما يكاد يكون ضربا من الخيال...وسمعنا عن أشخاص ضربوا المثل وضربت بهم الأمثال في المكارم والحلم وحسن الخلق من هذه الأمة في جاهليتها وإسلامها وكانوا يتفاخرون بالكرم ويتسابقون في ميادينه وممن ذكرهم التاريخ لنا واشتهر على كل لسان وضربت بكرمه ومكارمه الأمثال حاتم الطائي الذي لا يذكر اسمه إلا مقرونا بالكرم.
ومما يؤثر عنه في ذلك ما ذكره التنوخي في المستجاد قال : إن رجلاً سأل حاتماً الطائي فقال: يا حاتم هل غلبك أحد في الكرم؟ قال: نعم غلام يتيم. وذلك أنى نزلت بفنائه وكان له عشرة رؤوس من الغنم فعمد إلى رأس فذبحه وأصلح لحمه وقدمه إلى. وكان فيما قدم الدماغ، فقلت طيب والله، فخرج من بين يدي وجعل يذبح رأساً بعد رأس ويقدم الدماغ، وأنا لا أعلم فلما رجعت لأرحل نظرت حول بيته دماً عظيماً، فإذا هو قد ذبح الغنم بأسرها. فقلت له: لم فعلت ذلك؟! قال: يا سبحان الله تستطيب شيئاً أملكه وأبخل عليك به، إن ذلك لسبه على العرب قبيحة. فقيل: يا حاتم فبماذا عوضته؟ قال بثلاثمائة ناقة حمراء، وبخمسمائة رأس من الغنم. فقيل: أنت أكرم منه، قال: هيهات، بل هو والله أكرم، لأنه جاد بكل ما ملك، وأنا جدت بقليل من كثير.
ومن الأجواد المشاهير في الجاهلية أيضاً عبد الله بن جدعان وكانت له جفنة يأكل منها الراكب على بعيره ووقع فيها صغير فغرق وذكر ابن قتيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ لقد كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمَىِّ ] أي وقت الظهيــرة..
ويروى انه جعل منادياً ينادى كل ليله على ظهر الكعبة أن هلموا إلى جفنه ابن جدعان. ومناد آخر يسير نشطاً مسرعاً في طرقات مكة، فقال أميه في ذلك شعرا:
له داع بمكـة مشمعـــــل *** وآخر فـوق كعبتهــا ينـــــادى
إلى ردح مـــن الشيـزى مـلاء *** لبــــاب البـــر يلبك بالشهاد
والعرب في جاهليتهم قدروا معنى الإنسانية الحقيقية بتقديم ما يحفظ على الإنسان حياته أو يسد رمقه أو يروى غلته ولذلك عظموا الكرم وإطعام الطعام ووصفوا بالكرم عظماء القوم وكان الكرم في مقدمه
الفضائل والخصال التي يحرص ويحب العربي أن يتحلى ويوصف بها بل أنهم كانوا لا يسودون عليهم إلا الكريم.
وجاءهم الإسلام ورسالته ..جاء الدين الحنيف بقيمه وتعاليمه الكريمة معظمها للكرم مادحاً للكرماء ذاماً للبخل والشح غارساً قيمه الشريفة في النفوس فازداد المؤمنون كرماً إلى كرمهم وأصبحت غايته بدل التفاخر والمباهاة إرضاء الله تعالى الذي أمرهم بالإنفاق من رزقه..
قال تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) آل عمران 133 - 134 وقال تعالى ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجــون تجارة لن تبور ) فاطر 67 وقال ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم ) آل عمران 92 وقال ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبه أنبتت سبع سنابل في كل سنبله مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) البقرة 261 ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنت لا تظلمون )البقرة 272 ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) الليل 5-10 كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال [ لا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبداً] صحيح الجامع 7616وفى حديث آخر [ شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع ] رواه أبو داود وفى حديث آخر [ اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ] رواه مسلم
فأصبح الكرم طبع كل مسلم من عرب وعجم ومظهراً من مظاهر تعبدهم واخذوا يفعلونه عبادة من عظيم عبادات الإسلام وأصبح أمراً طبيعياً في حياتهم لا يستغربه ولا يستهجنه إلا من لم يتربى على قيم الدين والعقيدة. إن المؤمن إذا جاد فإن الإسلام علمه أن يجود لله وفى ذلك يقول الشاعر
ليــس يعطيـــك للرجـــاء أو الخـــــوف *** ولكــــــن يلـــــــذ طعـــــــم العطــــاء
ومع ذلك سمعنا عمن فاقوا غيرهم من أهل الكرم ومنهم الصحابة الكرام والسلف الصالح وممن ذكروا وفاقوا أهل زمانهم مع إن الكل كان كريماً أسماء ذكرت كثيرة لا يتسع المجال لذكرها وقيلت فيهم الأشعار واشتغلت برواياتهم أهل الأخبار حتى ذكروا من فعالهم ما لا يكاد يصدقه أهل زماننا.
اليوم قابلت رجلا منهم... ولما رايته وعلمت ما قام به من فعل طيب ندر نظيره ومكرمة عز وجود من يقوم بمثلها تخيلته قدم لنا ماراً عبر نفق التاريخ المجيد ليجسد لنا صورة كرام تاريخنا العظماء ليصدق أناس عصرنا روايات الكرم والسخاء التي رويت عبر صفحات التاريخ والمجد الشريف لرجال امة حقا كانت خير امة أخرجت للناس.. ولما تقدمنا له بالشكر من باب من لا يشكر الناس لا يشكر الله..قال كلمات تدل على أصالة طباع نفس سليمة لم تلوثها معطيات قيم ما يسمى زورا بالتحضر والاستغراب بإتباع قيم الإفرنج.
قال: إخواني لا يشكر الإنسان على فعل ما يجب عليه فعله تجاه إخوته وبني أمته. وإلا كيف تريدون منا قيادة الأمم إن لم يشعر بعضنا ببعض؟! أليست مهمتنا في العالمين قيادة الشعوب والأمم إلى الله تبارك وتعالى.. وإلا بماذا سنقودهم؟! أليس بالقيم السامية والهمم العالية!! كلمات هزت أعماقي وأعماق الحضور من مسلم عربي بدوي يتمثل قيم الإسلام ومفاهيمه ورسالته العالمية للعالمين ويدرك مسؤوليته ويشعر بها وينفذها عملا لا مجرد أقوال.
وأما ما قام به هذا الرجل الطيب الكريم هو انه حصل حادث سير يوم الجمعة الماضي وانقلبت سيارة بابن خالي رحمه الله فتوفي فوراً وكان معه عائلته من زوجة وأطفال تعرضوا لكسور وأخطرها الزوجة الحامل في الشهر الخامس والتي أصيبت بعدة كسور في جسمها مما يمنعها من حركة وتعقدت عملية إخلائهم من منطقة دومة الجندل إلى الأردن فهب مسرعاً لنجدة إخوانه وأهله من بني دينه وعقيدته ومنعته غيرته من التقاعس والتكاسل فلبى نداء النخوة والحمية لله والغيرة على امرأة مسلمة وأطفالها فنقلهم بسيارته بعد أن جهزها بوسائل الراحة للمرضى والمصابين وما يضمن سلامتهم في الطريق الطويل الذي يزيد عن سبعماية كم(700كم) ووصل بها فجر اليوم الماضي إلى احد مشافينا المعروفة والذي لم يدخلها طبعاً هي وطفلة لها تعاني من كسر في الجمجمة إلا بتامين مبلغ ستة آلاف دينار أردني....هذا الرجل هو الشيخ أبو احمود حماد الجميد من قبيلة السرحان بدومة الجندل.
وموقف آخر سجله لنا أهل الكرم وأهل الطباع السليمة طباع العرب التي سنها الإسلام والهدى، المسعف الذي نقل الحالات إلى المشفى السيد إبراهيم عطا العرجان أيضاً من دومة الجندل والذي يوم علم انه أسعف امرأة مصابة وأطفالها ذهب إلى بيته فوراً واحضر أخته الكريمة الفاضلة أم غالب والتي بدورها لازمت المصابة وأطفالها من يوم الجمعة إلى مساء أمس الاثنين وحيث أن ألستتنا تعجز عن شكرهم فنتمنى منكم الدعاء لهم ولا نملك إلا أن نقول اللهم إننا عاجزين عن شكر إخواننا واختنا في الدين والعقيدة.
اللهم فاجزهم عن صنيعهم كل خير يا خير من كافئ ويا خير من جزا وأرجوكم الدعاء لمن هذه فعالهم وهذا كرمهم واعلموا أن ما دام أمثالهم بيننا فالحمد لله امتنا بخير.


ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق