أمن العدلِ أن يُحاسِبَ الفاسدُ فاسدا ؟؟!!
بقلم الدكتور محمد القصاص
=============
أمن العدل أن يحاسب الفاسد فاسدا ؟ وأن لا يهنأ المواطن حتى برغيف خبز نظيف ؟ ، قضية خطيرة كنا قد طرحناها بمقالات أخرى منذ سنوات ، ولكن .. لا أذن تسمع ولا ضمير يستيقظ ، فكانت حكوماتنا مشغولة كليا بالكسب الحرام ، وتحقيق المصالح الشخصية ونهب أموال الوطن ، وحرمان الشعب حتى من أبسط حقوقه ...
لم يمض يوم واحدٌ دون أن تطالعنا وسائل الإعلام المختلفة ، بوجود شبهة فساد في هذا الوطن ، وطن تحمل الكثير من الويلات ، وواجه جرائم الكثير من المجرمين ، الذين يعيشون على أرضه بكل حرية واستقلالية ، ومع ذلك فهم لم يصونوا حرمة الوطن ، ولم يهتموا بما ينتظره من احتمالات قد تخل بالموازين وتبدل الظروف ، و تقلب الأمور رأسا على عقب ، ألم يعلموا أولئك المفسدين بأن للأوطان حرمة لا يعرفها إلا الأوفياء والمخلصين من أبنائه ، وإن أي تقصير منهم ، ستكون نتيجته وبالا على كل كائن يعيش على أرضه ويتنفس من هوائه .
إن ما يوجع القلوب ، ويعذبُ الأنفس والضمائر ، هو لجوء الكثير من التجار (الحيتان) في وطننا ، أولئك الذين ابتلعوا خيرات هذا الوطن ، واستولوا على كل مقدراته ، بدعم من المتنفذين الذين لا يخافون الله ولا يتقونه ، بل لا يهمهم في هذه الحياة شيء سوى جشعهم وأطماعهم ، إنهم لم يتركوا رذيلة إلا ارتكبوها ، ولم يتركوا باب شرٍّ إلا ولجوه ، فاستوردوا الأغذية الفاسدة التي لا تصلح لاستهلاك الكلاب ولا أي مخلوق أحطُّ درجة من الكلاب ، استوردوا الأسماك العفنة واللحوم النتنة منتهية الصلاحية ، وقدموها لفئة من الناس فقراء لا يعون حجم الضرر ، وسوء ما يقدمون عليه وهم يشترون لأطفالهم الأغذية واللحوم الفاسدة والقمح الذي مضى على إنتاجه وتخزينه في الدول المصدرة أكثر من ثلاثين عاما ، والمختصون ليس بوسعهم إنكار هذه المعلومة ، ولأن البضاعة الرخيصة تسوق بأسعار رخيصة أيضا .
وأما عن الأدوية التي تصرف للمواطنين ، فهي تختلف من مركز صحي إلى مركز آخر ، ومن مستشفى إلى مستشفى ، ومن وزارة الصحة إلى القوات المسلحة ، وكل له خصوصيته ولا يمكن أبدا أن تتساوى تلك الأدوية بالمواصفات ، بل هي كلها تختلف عن بعضها البعض ، وهي درجات مختلفة ، لا تتساوى أبدا بالجودة ولا بالمكونات ، فلماذا الأدوية التي لدينا هي أقل جودة عن تلك المستوردة من الخارج ؟ لماذا لا تهتم مصانعنا بالجودة ، أم أن المادة الجيدة تصنع لحساب جهات أخرى ؟
إن ما نجده في حياتنا اليومية كمواطنين مثير للاشمئزاز والتساؤل والأسف ، كل المخالفات تتم عندنا ، والضحية هو المواطن المغلوب على أمره ، وكأنه لا يعلم من الأمر شيئا ، البضاعة رخيصة نعم ، ولكن العاقبة سيئة . ومع ذلك فلا يعلم الناس ما ينتظرهم عند استهلاكها من سوء العاقبة ، وآفات صحية لا يمكن تصورها ، وأمراض خبيثة مستعصية ، لا يمكن تلافيها .
لقد اكتظ الوطن بمرضى السرطان ، والأمراض المستعصية الأخرى وهي التي تنجم بالتأكيد عن تناول تلك الأغذية الفاسدة ، وعن تناول أغذية أخرى مماثلة تنتج محليا في مخابزنا ومطاعمنا وفي مصانع (الشيبس) التي تنتج مادة مسرطنة غير صالحة للاستهلاك البشري ، وهي مصانع غنية عن التعريف ، لكنها لسوء الحظ تستهوي أطفالنا والكثير من شبابنا في المدارس والجامعات ، الذين أصبحوا يعتمدون عليها في كثير من الأحيان بدل وجبات الإفطار ، والأدهى من ذلك فقد نرى الكثير من الكبار وربات البيوت يجترون مادة الشيبس والعصائر الرخيصة ، غير مدركين لمخاطرها الكبيرة ، بل غير موقنين بأخطارها ونتائجها السلبية على الجيل والمجتمع .
وبالرغم من المحاذير الشديدة المختلفة التي تصدر عن بعض الجهات الصحية والمختبرات ، إلا أن كل تلك التحذيرات تذهب بلا فائدة .
وأما عن الكثير من المخابز والمطاعم ، فحدث ولا حرج ، فلو قدر لأحدنا أن يطلع على أسرار المخابز وما يحيط بها من ريب وقذارة وعدم اهتمام بنظافة أدوات المخابز المختلفة ، بل وقذارة الطواقم نفسها وظهورها بمظهر مقزز للغاية ، لوجد نفسه ملزما بالتخلي عن رغبة تناول مادة الخبز، ليقينه بأنها مادة ليست صالحة للاستهلاك البشري أيضا ، لناحيتين ، الأولى هو عدم صلاحية مادة الطحين نفسها ، وسوء منظره وعدم استساغة النظر إليه ، وثانيهما عدم نظافة الطواقم كلها ولا حتى أدوات المخابز المستخدمة بتلك المخابز .
وأما عن المطاعم ، فحدث عنها ولا حرج ، تدخل بعض المطاعم أحيانا فتقابلك روائحٌ تزكم الأنوف ، ولعل إجراءات إغلاق المطاعم التي كثيرا ما يشهدها الناس ، ونسمع بها عبر وسائل الإعلام ، نظرا لاستخدامها لمواد فاسدة وغير صالحة للاستهلاك البشري ، فذلك أكبر دليل على أن الفساد قد استشرى في المجتمع الأردني حتى بات جزءا من خصوصياته وصنعته ، فالناس أصبحوا لا يبالون بما تمليه عليهم ضمائرهم ، بل إن أكثر همهم هو السعي للكسب الحرام وغير المشروع ، وليس لهم هم أكثر من هذا الهم .
وحتى إنتاج الحلويات والمعجنات بكل أنواعها فمن المؤكد أنها لا تخل من شبهات فساد ، ولعل كثيرا منا قد أصب بخيبة أمل عندما يصطدم بعدم صلاحية تلك المواد ، وعدم استساغة مذاقها .
بأبي أنت وأمي يا مؤسَّسَةِ الغذاء والدواء ، وبأبي أنت وأمي يا مؤسسة المواصفات والمقاييس ، اللتين تعتبرا ظهيرين جبارين للمواطن المغلوب على أمره ، تحميانه من عبث العابثين ، وتذودان عنه بكل ما يستطيع رجالهما المخلصين ، مكرسين جهودهم من أجل مواجهة الكثير الأخطاء والعبث والعيوب ، والوقوف بشجاعة الشجعان في الميدان ، أمام أطماع الطامعين ، ومحاولات العابثين الذين يريدون بهذا الوطن سوءا ، وبوجوه التجار المستبدين الذين لم يهتموا يوما بصحة المواطن ولا بلقمة عيشه ، بل هم من أكبر العابثين بمصائر الناس وصحتهم ومعيشتهم .
من هو المسئول في الميدان ، غير مؤسستي الغذاء والدواء ، ومؤسسة المواصفات والمقاييس ، وهل وزارتي الصحة والبيئة يتحملان مسئولية معينة فيما يحدث ، أليس للمراقبين الصحيين دور كبير في المحافظة على سلامة المواطن من خلال رقابة المطاعم والمخابز وأماكن تصنيع الحلويات والمعجنات ، بشكل يومي ومستمر ؟
إذا كان المراقبون الصحِّيون في المحافظات لهم دور كبير في الرقابة اليومية ، وعليهم مسئولية أكيدة من أجل حماية المواطن من شرور العابثين ، فأين هم مما نشاهده بشكل يومي ومستمر من مخالفات واضحة نراها بأم أعيننا في كثير من المخابز والمطاعم .
أيها الأردنيون ، تبين لكل متبصرٍ بأننا نحن أمة لا تستحي ، ولكنها تخاف فقط ، فأكثروا يا أخوتي في مؤسستي الغذاء والدواء والمواصفات والمقاييس من مداهمة أولئك الظلمة عديمي الضمائر وأرعبوهم بسطوة الحق ، ولا تأخذكم بالله لومة لائم ، واعلموا بأن جهودكم مشكورة ومساعيكم محمودة ، وأجركم على الله ، والله لا يضيع أجر المحسنين ، وقد كان للأردنيين في ذلك الإنسان الراقي المهندس الذي لا يحضرني اسمه والذي نبش عهر المفسدين وفضح أمرهم ، فكاد له المفسدون المكائد ، ولم يعد يظهر على الشاشات ، ولكنكم أنتم ستبقون مثالا لتطبيق العدل ومناصرة الحق ، ولكم مني ومن كل شرفاء الأردن أطيب التحيات ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،،

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق