أخر الاخبار ;

الجمعة، أبريل 08، 2016

( كمْ أشتاقُه حضنَ أمّي..) - م1 ج1 - للأديبة الشاعرة صـبـاح تـفـالـي



قرائي الأعزاء..

( سوف أقدم لكم حروفا من نسجي الخاص.. أسرد من خلالها مشهدا من مشاهد هذه الحياة الفانية.. وهي عبارة عن كلمات تبرز كيف للمحن أن تتراقص على أوتار القلوب التعيسة.. وكيف تصدر للأنات آهات تحكي ما يصعب على اللسان والقلم نطقه.. وهي عبارة عن منشورين.. كل منشور يحتوي على عدة أجزاء سيتم نشرها بالتدريج.. يسعدني متابعتكم).. المنشور الأول:
( كمْ أشتاقُه حضنَ أمّي..)

الجزء الأول:
كان ذلك يومَ مساءٍ من ليلةِ شتاءٍ ماضية.. حين انعرجتُ عند صديقةٍ لي أتفقدُ أمورَها وأستفسرُ عن أحوالِها.. طرقتُ بابَها وانتظرتُ قليلا.. فإذا بها تستقبلني بعيونٍ اِمتزجَ فيهما بريقٌ منَ الدهشةِ واللهفةِ والفرح.. وملامحٌ من حزنٍ عميقٍ أيضا.. دخلنا.. واسترجعْنا بعضاً منْ ذكرياتِنا وحكينا ما طرأ بعد افتراقِنا.. وكلٌّ منا تحاول أن تستبقَ الكلامَ من شدَّةِ الشوقِ وصدقِ الإحساسِ الساكنِ فينا.. والتلاحمِ الشديدِ والثقةِ المتبادلةِ بيننا منذُ الصغر.. كانَ ينسابُ بين أرجاءِ بيتِها سكونٌ رهيبٌ إلى حدِّ الرَّهبةِ والخوف.. مثل الفراغِ الذي كان ينساب في حياتِها.. لكن حينَ ابتدَأَتْ تحكي أمامي قصصاً من الماضي وذكرياتٍ وحكاياتٍ موجعةً كان مسكوتٌ عنها.. حين ضجَّ داخلُها بالحنينِ وخليطٍ من همومٍ مؤلمةٍ وأنين.. تبخَّر كلُّ السكونِ المنتشرِ حولنا.. وثار أمامي كمٌّ هائل منْ عواصف مشحونة بِألمٍ عميقٍ.. اعتبرتُه من بقايا زمنٍ سحيقٍ.. سحقَ معظَم أحلامِها.. وختمَ عليها بعمقِ الصمتِ الطويلِ إلى حين البوحِ والإعترافِ بأحْمى لحنٍ رتَّلَتْه الأقدارُ على أوتارِ طفولتِها المعذَّبَة.. وحين هممتُ بالإنصراف.. سخنَ الحديثُ مرة ثانية بيننا.. فلمحتُ أن دموعَها تُنذِر بفيضٍ هائلٍ من سردٍ أليم.. ولاحظتُ أنَّ صوتَها صار مضغوطاً لازدحامِ الكلمات عندَ ثَغرِها.. وأنَّ عينيها رحل الفرحُ فجأةً عنهُما.. ليشعَّ فيهما بريقٌ من ألمٍ عميق.. يوحي أنَّ هناك شجونٌ عاصفةٌ ٱتيةٌ عبر غَصَّةٍ مفاجئة.. وأحزانٌ هاطلةٌ عبر بحَّةِ صوتٍ مخنوقٍ أنْهكه الصَّدُّ والقهرُ والحرمان.. تمَهَّلتُ واحترمتُ هذه الدموعَ السخيَّة.. وتعاطفتُ مع روحِها النقيَّة.. فالتزمتُ الصمتَ حين استطاعَ الكلامُ أن يستقرَّ على لسانِها.. لينخرسَ لساني ويرتكزَ كلُّ سمعي وتركيزي على كلِّ آهةٍ منها تحملُ وجعاً يتسرَّب مع دموعِها الحارقةِ.. احترمتُ هذا القلبَ الموجوعَ الذي كتمَ معاناته الدفينَةَ منذُ سنين طويلة.. ليفضفضَها عندَ خفقاتِ قلبي.. وعند رجْفةٍ سكنَتْ كفِّي وسمعي وموجاتِ فضولي.. خصوصا حينَ لاحظتُ طريقةَ سردِها وكيفيةَ ترديدِها لأجراسِ الماضي بصيغةٍ تجعلُ العينَ العاصيةَ تُخْصِبُ سيلا هائلا من الدموعِ الجارفة.. فعلا.. كنتُ في أشدِّ الفضولِ لأن أسمعَها حتَّى أخفِّفَ من آلامِها.. وكان قلبي أكثر ميولا لأن ينصتَ إلى تراتيلِ هذه الغصّةِ العميقةِ الموجعة.. رغم أني كنتُ متأكدةً من كل معاناتِها وعلى علمٍ تامٍّ بقصةِ حياتِها.. مالت برأسِها على الوسادة.. واستقرتْ عيناها على نافذة الصالةِ.. وكأنَّها بنظراتِها تحاول أن تخترقَ كلَّ السنين الماضية من خلالِ الفضاءِ البعيد.. لتسترجعَ كلَّ الماضي في لحظةِ شجنٍ مؤلمة.. وحين تشابَكَتْ أهدابُها عندَ موجٍ مفاجئٍ من الدموع.. وبدَتْ شبهَ نائمة.. حين انسابَ شيءٌ بداخلِها من خلال أنفاسٍ عميقةٍ سردتْها أعماقُها عند تَوالُجِ أنفاسي.. احترمتُ هذا الوضعَ المؤثر.. وعلمتُ أنَّ الإنسانَ في مثلِ هذه الحالات يجبُ عليه أن يلتزمَ الصمتَ.. وأن يكتمَ أنفاسه.. ويُظهرَ كلَّ اهتمامِه وحبِّه وتركيزِه المطلق لرفيقه.. خصوصا حين يتسلطنُ البوحُ عند صريرِ المعاناةِ الدفينة.. ويتفرعنُ الوجعُ عند فوهةِ الظلمِ والقسوةِ الجارحة.. لقد نزف القلبُ أوجاعَه أمامي عبر جروحٍ منكوسة أدمنَها وخزُ الألمِ على جروح صدرِها.. فجاء صوتُها مخنوقاً وشبهَ مسموعٍ وهي تردِّدُ تراتيلَ القدَرِ المحتوم.. وهذا ما رتَّله الوجعُ على أوتار انهيارها.. وما نزَفَتْه شرايينُها عندَ نبضي بمرارةٍ تُعلقمُ السَّمعَ والبصرَ.. وكلَّ البدن.. قالت:
****************** كـــمْ أشـتـاقُـهُ حُــضـنَ أمّــي.. نـــــــعـــــــمْ أشـــــتــــاقُــــه.. كــــان ســرابــاً كــــان غـيـابـاً.. كــــــان ضــبــابــاً لــجـفـونـي.. كـــــــان أنــيــنــا لــحـنـيـنـي.. ولــحْــنـاً ألــيــمـاً لـجـحـيـمي.. غـــفــوتُ دومـــــا بـهـمـومـي.. ونُـــحْــتُ دهـــــراً لأديـــمــي.. فــراحــت عــنِّــي أنـسـامـي.. فــجــئــتُ أنـــعِــي أنــغــامـي تَـمـنـيتُ لــو بـالـحب يـرويـني.. ذاك الــــصـــدرُ ويــحــمـيـنـي.. لــــــوْ بــالــقـرب يــشــذونـي.. وعـــــن الــلـوعـةِ يُـقـصـيـني.. تـمـنـيتُ لـــو أمّـــي تـأتـيـني.. تـأتـيـنـي دومـــا كـــل حــيـن.. تـــأتـــيــنــي كــالــريــاحــيـن.. كـــــالــــورد والــيــاســمــيـن.. تـــأتــي قــلــبـي فــتـرويـنـي.. حــبــا يــسـقـي شـرايـيـنـي.. وحـــيــن أمــــرض تـلاقـيـنـي.. بـــالــدفء تــحْـنـو تــداويـنـي.. تمنيتُ حين يهمُّ الدمعُ بالذرفِ.. تــلـحـق دمــعــي وجــفـونـي.. وحـيـن يـهـمُّ الـحـزنُ بـالـقذفِ.. فـتـمـسـحُ خـــدي وعـيـونـي.. لـيـسـكُـنَ قــلـبـي وكــيـانـي.. ولــيــهــدأ نــبــضـي وأنــيــنـي تمنيت أن تكون ضَيَّ سراجي.. أن تــغـوصَ عــمـقَ مــزاجـي.. أن تـــصـــيـــرَ ذرةَ تــــاجــــي.. أن تـضـحى مـاسـي وعـاجي.. حـلـمـتُ أن اتــوسـدَ ركـبـتَـها.. أن أتـــحـــلـــىَ أمــومــتَــهــا.. أن أعـــــيــــشَ مــحــبــتَــهـا.. أن أظـــــــــــلَّ جـــانـــبـــهــا.. أن أُعَـرِّفَها حـدْسي ونـفسي.. أن تُـقـلِعَ يـأسيِ مـن رأسـي.. لــكـنَّ الــرجـاءَ مــنـي غـــاب.. والإنـــشـــاد صــــــار هــبــابـا.. فـسحبتُ روحـي مـنَ الأنفاق.. وركـــضــتُ مــــع الأشــــواق.. لأرســـمَ حـلـما فــي الآفــاق.. لأُقْـــلِــعَ حـــزنــا بــالأعــمـاق.. إلـــى أن مَــلَّ الـنـبضُ مـنّـي.. وصـــار الـركـضُ وخــزاً يُـدْمـي.. وضـــــاع طــريــقـي وأمْــنــي.. وعـــــاد أنــيــنـي لـحـنـيـنـي.. لأكـــتُــم صـــرخــةَ جــرحــي.. لأخـــنــقَ دمـــعــةَ بـــوحــي.. وعـــــــذابــــــاً ولـــهـــيـــبـــاً.. والـــــــــــعــــــــــبــــــــــرات..

********************

صـــــــبـــــــاح تـــــفـــــالــــي



يتبع في الجزء الثاني












مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

عاجل

عـــاجل

اقتصاد

كتاب عسى

مشاركات

مقالات مختارة

على مكتب المسؤول

اعلانات مبوبة

اعلانات مبوبة

همسات نابضة

ابواب ثقافية

عالم الجريمة

تعليم وجامعات

رياضة

فن وفنون

منوعات وتقنيات

شاشة عسى

تابع الصحف الخليجية مع عسى

جميع الحقوق محفوظة لوكالة عسى الاخبارية ©2015