أخر الاخبار ;

السبت، أبريل 23، 2016

روايـة «غوايـة لا تود الحـديث عنـهـا» لنـائل العدوان لغة رائقةوشخوص تنسلخ عن الجغرافيا والأزمنة







روايـة «غوايـة لا تود الحـديث عنـهـا»

لنـائل العدوان 

لغة رائقةوشخوص تنسلخ

عن الجغرافيا والأزمنة

======


(وكالات)
كتبت بديعة زيدان: في مطلع رواية "غواية لا تود الحديث عنها" للروائي الأردني نائل العدوان، عن دار فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة في العاصمة الأردنية عمّان، وهي الثانية له في مشواره الروائي، ثمة ما يدلل على أن هناك ما هو جديد على مستوى التقنية، واللغة، والتنويع، فهو يشير صراحة، إلى أن "بطل الرواية سيظن أنه قادر على كشف الحقيقة من دون تدخلي، وأن الخيط الرفيع الذي يربط روحه بأجساد سابقة مجرد وهم أو صدفة عابرة لا غير، لكن ذلك لن ينطلي عليّ وسأكون حاضراً معه، وستكونون أنتم حاضرين معي ومعه"، وهو ما يؤسس إلى تركيب رفيع المستوى يقوم على التفاعل ما بين الراوي وشخوصه والقراء أيضاً، في رواية تتميز بغياب المكان والزمان، والذي هو هنا غياب مدروس، وليس عبثياً. الرواية تحكي بلغة سردية أنيقة، حياة "حمادة"، الشاب الذي تخرج مهندساً من الجامعة، وكأغلب الشباب العربي، لا يجد أي مستقبل عملي أو مهني له بعد التخرج في بلده، وبالتالي لم يعد أمامه خيار إلا الهجرة، تاركا وراءه أمه وخطيبته. العدوان يبقي شخصية "حمادة" ملتبسة ما بين الواقع والخيال، بل ويسيّرها في شخصيتين متوازيتين: "حمادة"، العتال على ظهر سفينة، و"الترابي" الجندي حارس القلعة التاريخية، والتي لا نعرف في أي زمان غابر عاد بنا الكاتب إليها، فـ"الترابي" هذا يعيش ماضياً بعيداً، لكن دون جغرافيا أو زمان محددين. العدوان، وعبر شخصية "الترابي" الحارس الذي تتلبسه شخصية شاعر أحيانا، خاصة عندما يثمل، يذهب بنا إلى مساحات إبداعية أخرى، حيث ضمّن روايته قصائد شعرية كتبها خصيصاً لتناسب طبيعة الحدث في الرواية. فعلى سبيل المثال، وفي إحدى المرات ينظم الترابي الشعر الذي يشير فيه إلى مكيدة تحاك ضد سلطان القصر وإلى خيانة زوجته له مع رئيس الحرس والجيش، وأنهما يخططان لانقلاب عليه، فيعلم السلطان بذلك، ويضعه في صورة الوضع، ويصر على الترابي أثناء ثمالته، أن يخبره بماهيته حين يتحول إلى شاعر ثمل، ليشير إلى أنه (الترابي) هو الشاعر الصفواني، الذي كان يعيش قبل أربعمائة سنة متخيلة. ورغم الاحتياطات السلطانية، يحدث الانقلاب عليه، والذي سبق أن أخبره به الترابي أو الصفواني، بل إن زوجة السلطان، ورئيس حريمه، يسجنان السلطان والترابي في زنزانة واحدة، قبل أن يتمكن الترابي من الهرب. كثيرة هي الأحداث التي رافقت الترابي أثناء هربه، حيث يلجأ إلى الكنيسة، وهناك تنشأ قصة حب بينه وبين ابنة الراهب، قبل أن يتزوج بها دون موافقة والدها، الذي بدوره يطردها من بيته ومن الكنيسة. ثم يتم إلقاء القبض على الترابي تاركا وراءه زوجته ابنة الراهب وحيدة، ويحكم عليه بالسجن في منفى بعيداً عن القلعة، إلا أنه، وبالتعاون مع المساجين الآخرين، يستطيعون الإفلات من السجن بتخطيط من الترابي الذي يبايعه الجميع على الحكم، ويصبح سلطان البلاد، ليعود ويحرر القلعة من قبضة رئيس الحرس وزوجة السلطان المنقلبة، ويحرر السلطان الذي يموت فور تحرره بسبب التعذيب الطويل في السجن. يعود الترابي ليبحث عن زوجته ابنة الراهب ليجدها تحمل بين يديها طفلهما، الذي تنبأ به الترابي من قبل، حين أعلن أن ولي عهد البلاد قادم. وهنا تبرز رمزية المخلص، الذي كان ولا يزال يؤرق العرب، والذي يرتبط ظهوره بثورة ما، أو حدث دراماتيكي، وهو هنا الترابي، كما هي الحال بفكرة المخلص في الإرث العربي القديم، وحتى في الثورات الحديثة في إطار ما عرف باسم "الربيع العربي"، حيث ارتبطت جميعها بشخصيات شكلت أيقونات ما، كالبوعزيزي في تونس، ووائل غنيم في مصر، وغيرهما. وجنبا إلى جنب ومع سير أحداث قصة الترابي الشخصية المتخيلة في الأغلب، تسير فصول رواية حمادة على ظهر السفينة، والذي يقوم أحيانا ببعض التصرفات الخارقة التي تجعل منه محط أنظار الكثيرين، فتارة يحمل أكياساً ضعف وزنه خاصة مع ضعف بنيته الجسدية، وتارة أخرى ينقذ السفينة عندما تهب عاصفة ويقود السفينة باحتراف شديد، مع أنه أول مرة يمسك فيها مقود سفينة، ولذلك يتخذه القبطان مساعدا له ... ومع مرور الوقت، يقرر الهرب في أول رسو لها للتزود بالوقود، وبالفعل ينفذ مخططه ليهرب، ليتعرف بعدها إلى امرأة كبيرة في السن تساعده في استصدار جواز سفر مزور يستطيع التنقل به والعودة إلى بلاده، إلا أنه وفي محطة القطارات يتعرف إلى شابة جميلة تلفته من أول نظرة، ويدخل بسببها في متاهات عدة. ويشير العدوان في أكثر من مكان في رواية حمادة إلى أنه أيضا يكتب رواية داخل الرواية، وبالتالي، لا تعلم إذا ما كنت تقرأ رواية العدوان أم رواية حمادة، ويظهر جليا أن الكاتب يتعمد هذا اللبس والغموض. وفي رواية العدوان ورواية حمادة المتداخلتين، تبرز تقنية تعدد الرواة، بأسلوب مغاير عما سبقه إليه العديد من الروائيين العرب والأجانب باعتماد ذات التقنية، دون إغفال دلالات حمادة وحكايته، والتي تعكس حالة الشباب العرب، وحتى المثقف منه أو العبقري أو فائق القدرات، في رحلة تيه تتواصل بحثاً عن عمل، وعن جغرافيا وزمان مريحين، وقبل ذلك كله البحث عن أنفسهم أو ذواتهم. كما أن العدوان، يعمد في هذه الرواية، إلى إشراك القارئ، كجزء أصيل من الرواية، مع الإشارة إلى تدخلات الراوي التي كان أشار إليها في مطلع روايته، ففي بعض المواقع يتخذ دور الناصح أو المرشد، وفي أخرى يكون الآمر للشخصية المحورية في الرواية، وهي هنا حمادة العامل على السفينة .. "أنانية مطلقة تلك التي تفوهت بها، ويبدو جليا أنك لم توفق في إجابتك البتة، فها هي سارة تنظر مرة أخرى إليك وبعيون منتحبة يتغير شعورها نحوك". كما يخاطب الراوي حمادة نفسه قائلا: "أنصحك بأن لا تفكر ملياً بما يحدث لك، فالتفكير بعمق قد يفسد عليك متعتك، تحرر من عقدك التي تكونت في داخلك، هويتك التي احترت دائما في تحديدها، حتى زملائك في الجامعة كما تذكر جيدا لا يملون الحديث عن مزاجيتك العالية". وفيما يتعلق بعدم تحديد المكان والزمان الغائبين في الرواية، يبدو لي أن الكاتب أراد تعميم ما يحدث لشخصية روايته المحورية، وما يحدث داخل الرواية من تمرد وثورة على وضعنا الحالي، وتجسد عبر "ثورات الربيع العربي"، التي انطلقت منذ خمس سنوات، وباتت تأخذ منعطفات ومنحنيات جديدة. وفي حديث خاص مع الروائي د. نائل العدوان حول هذا العمل يقول: البناء المفتوح في الرواية هو ما يستهويني، بناء لا حدود له، حتى إذا اقتضى الأمر أن يستخدم الزمن أو المكان فان الاستخدام يكون غير مسلوب أو متحيز. . أشعر بأن هنالك دائماً مجالاً للتخيل، وأن لا رواية تنتهي بنهاية سطورها على الورق، إنما يجب أن تعاش وتستمر طارحة التساؤلات التي قد نعجز ككتاب عن الإجابة عنها، لكن محاولة سبر غموضها هي اللذة بحد ذاتها. وأضاف العدوان لـ"أيام الثقافة": رواية غواية لا تود الحديث عنها تطرح سؤالاً لطالما عشته، وهو سر الجسد الذي يحمل الروح، فهل هذا الجسد هو الذي نوده لحمل أرواحنا، وإن كان هذا الجسد موروثا بالخلق ولا طاقة لنا على الاختيار، فلا شك أن الروح هي نقطة الأصل وهي الحدث الأهم في حياتنا، إذن لا داعي للقلق من انتهاء الجسد عند نقطة الموت، فالروح باقية. وعلى الغلاف الخارجي للرواية كتب العدوان على لسان بطله الشاعر الصفواني الذي هو في الأصل الترابي والذي ربما يكون في أصل الأصل حمادة في لحظات حلمه أو يقظته "أنت تنتقل عبر الزمن كما الريح التي لا تنتهي، أو كمثل ضوء يطير بسرعة لا متناهية، وماضيك ينتقل عبر أطياف غير محسوبة للمستقبل، أنت غير الذي يراه الجنود ومختلف تماما عما سبق، أنت تتيه بجسد عجوز في زمن ماض وجسد شاب في الحاضر وربما بجسد أيل فقد أمه أو ضفدع يغتر بألوانه الطبيعية، أنت، من أنت؟!" .. وكأن الكاتب يبحث من خلال روايته، ويحث كل قارئ على البحث عن إجابة لهذا السؤال: "أنت، من أنت؟!".










مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

عاجل

عـــاجل

اقتصاد

كتاب عسى

مشاركات

مقالات مختارة

على مكتب المسؤول

اعلانات مبوبة

اعلانات مبوبة

همسات نابضة

ابواب ثقافية

عالم الجريمة

تعليم وجامعات

رياضة

فن وفنون

منوعات وتقنيات

شاشة عسى

تابع الصحف الخليجية مع عسى

جميع الحقوق محفوظة لوكالة عسى الاخبارية ©2015