أخر الاخبار ;

الاثنين، يناير 04، 2016

وتبقى المجالس مدارس - بقلم علي الهبيدي - الأردن

وتبقى المجالس مدارس 

بقلم علي الهبيدي - الأردن

========

الأستاذ علي الهبيدي

    يقولون قديما أن المجالس مدارس وسأقف عند هذا وقفة تحليلية موسعة لما لأهميتها الكبيرة على المحافظة على القيم والأعراف العربية التي دعمتها الشريعة الإسلامية ، المجالس مدارس فلو أردنا تجزأة هذه العبارة لوجدنا تحتوي على مفهومين الأول مجالس والثاني مدارس وسأحاول هنا تفسير هذين المفهومين .
المجلس مصطلح يعني به مكان إلتقاء الناس مع بعضهم البعض في مناسبة عامة أو خاصة أو دورية أو يومية يلتقي فيه الرجال بالرجال وتلتقي فيه النساء بالنساء .
مدارس: المدرسة هي البيئة التي تغذي الانسان بالمعرفة وتجعله متهيئا لمواجهة المستقبل بما كسبه من مخزون خبراتي تزود بها في هذا المكان المختص بالتزويد المعرفي.
نأتي إلى العبارة بأكملها التي تفيد بأن المجالس وبما يتم فيها من أحاديث تعتبر من أماكن تبادل الخبرات التي تعتبر في الأساس معارف ويحدث في هذا المجالس تقييم وتقويم يثاب فيها الناجح ويقوم فيها المخطئ ليسير بما يتوافق من العرف والعادة المجتمعية .
   
    قد يشعر البعض بأن هذه المقدمة عبثية ، مجرد كلام لهاو قد تعود نسج حروفه أو لفيلسوف يستعرض فلسفته وقد يقف البعض عند هذه المقدمة ولا يستكمل قراءة باقيها ، وحقيقة لا يهمني هؤلاء البشر فأمثالهم ينطبق عليهم ما سأورده في هذا المقال لاحقا.
    في المجالس قديما يجتمع الرجال يوميا عند بعضهم البعض لذلك لا مجال عندهم للخطأ الأعرافي إن جاز لي التعبير وكانت هذه المجالس تحوي شخصيتين إما معلم أو إمام مسجد فالمعلم موصوم بمعرفته الدنيوية والإمام موصوم بمعرفته الآخروية . لذلك تشنف الآذان لسماع ما يقولون في تلك المجالس واكتسب المعلم هيبته من تلك المجالس فالاحترام مفروض لشخصه من جميع أصناف الجالسين . وغدا المعلم العصا التي يلوح بها الأب والأم على أولادهما به لذلك انتظمت المدرسة في اليوم التالي . نعلم جميعنا أن الأبناء إن أرادوا أمرا من أبيهم لا يقولون له هذا الأمر أمامه مباشرة بل يكون الوسيط بينهم وبينه الأم والتي توحي لهم بأن ذاك الطلب مخيفا في كثير من الأحيان وأنها ستتحين الفرصة لايصاله إلى الأب والفرصة تلك أشبه بالمعدومة نهارا وفي بداية الليل . نهارا الأب في شغل يلهيه وفي المساء في تلك المجالس التي لا يغيب عنها إلا المريض طريح الفراش . ونعلم جميعا أن الأب إذا أراد معاقبة ابنه تحاول الأم مهما كانت عظم خطيئته الدفاع عن ولدها لما ألقاه الله في قلبها من حنان . هنا مربط الفرس إن استسلم الأب لشفاعة الأم خسر من جهتين خسر ابنه لتعاظم خطيئته في المستقبل وخسر سمعته لما سيسمعه من الرجال التي يجلس واياهم ليلا . وعند إجراء المفاضلة بين اطاعة شفاعة الأم وبين ما سيسمعه من انتقاد في مجالس الرجولة سترجح كفة انتقاد الرجال وسيعاقب ابنه وقد تلحق الام ابنها في العقاب ولن تستطيع تحريك ساكن فالرجال من أهلها لن يقفوا معها في هذا الموضوع .

    هذا المشهد بدأ في الاندثار منذ منتصف عقد الثمانينات من القرن الماضي حيث أصبحت المجالس شبه خاوية إلا من رحم ربي وأصبح مجلس الرجل الوحيد أمام تلفازه على الأخبار تارة وعلى المسلسلات تارة أخرى وعلى مرتكاه اليمين تجد زوجته جالسة مثل ظله . وإن طلب للمجلس يتحجج بألف حجة لكي لا يذهب ولا يصل إلى ذاك المجلس إلا إذا حدث أمر جلل . في ظل المشهد الجديد تعاظمت سلطة الزوجة وتناقصت سلطة المعلم حتى وصلنا إلى اللحظة التي يتحرك بها الرجل على "الريموت كنترول " الذي تحتفظ به الزوجة في صدرها . وكم شاهدنا آباء يأتون إلى المدارس مهددين ومزمجرين لأن ابنه قد عوقب في المدرسة بالرغم من أنه في زيارته الأولى للمدرسة كانت عبارته تقليدا لما كان يسمعه قديما "لكم اللحم ولي العظم " وسأعود للمشهد إلى الليلة ما قبل تلك الصباحية ، رجل مرهق من عمله يعود جائعا تعبا مثقلا بهموم العمل ويجلس جلسته المذكورة في منتصف هذه المقالة وتأتي الأم لتحشو رأس الأب بما سمعته من ابنها في شكواه على معلمه وتنادي عليه ليعيد الاسطوانة عينها مع حبكة غاية في الدقة تدين المعلم . ويأتي الصباح وفي الصدر ما يحمل على ذاك المعلم الذي يتفاجأ "بخمساوي" على الريق من ذاك الصاروخ الموجه الذي فقد صلته بالاعراف التي تربى عليها والذي فقد ايضا السلطة التقويمية ألا وهي المجالس وأقصد بها مجالس الرجال .وفي ظل هذا المشهد عند أي مشكلة ما بين الزوج والزوجة تذهب إلى أهلها ويا ويلك يا أيها الزوج المسكين فالزوجة لها أيضا أم تتحكم بأبيها ب"الريموت كنترول " المحفوظ في صدرها هي الأخرى .

    وفي ظل هذه المنظومة المجتمعية وفي ظل تبادل الأدوار بين طرفي المنظومة الأسرية تضيع سلطة المدرسة منارة العلم والتربية .


    وفي النهاية يتخرج منها الطالب المهزوز ليكون هو بدوره معلما مهزوزا وفي النهاية يأتي من يتحدث ويقول أين نحن من مدارس زمان !!؟ فعذرا يا سيدي قبل أن تقول أين نحن من مدارس زمان قل أين نحن من مجالس زمان فالمدرسة استمدت هيبتها من تلك المجالس لا من مجلسك أنت وزوجتك أمام التلفزيون . 









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

عاجل

عـــاجل

اقتصاد

كتاب عسى

مشاركات

مقالات مختارة

على مكتب المسؤول

اعلانات مبوبة

اعلانات مبوبة

همسات نابضة

ابواب ثقافية

عالم الجريمة

تعليم وجامعات

رياضة

فن وفنون

منوعات وتقنيات

شاشة عسى

تابع الصحف الخليجية مع عسى

جميع الحقوق محفوظة لوكالة عسى الاخبارية ©2015